عُمان وبقية دول الخليج.. 4 قضايا خلافية ربما تُعجل بقيام الاتحاد – الاناضول

أحمد المصري/ الأناضول

العلاقة مع إيران، مقترح الاتحاد الخليجي، الأزمتان السورية واليمنية.. أربع قضايا خلافية تتباين فيها، وبدرجات متفاوتة، سياسات دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، قطر، الإمارات، البحرين والكويت) مع شقيقتهما السادسة سلطنة عمان التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران.

هذا التباين برز على السطح مجدداً مع قرب استضافة البحرين، وهي من أشد الدول تأييدا للاتحاد، القمة الخليجية يومي 6 و7 ديسمبر/ كانون أول المقبل، وتأكيد أكثر من مسؤول بحريني على أن ملف “الاتحاد الخليجي” سيكون حاضراً على جدول أعمال القمة.

إلى أبعد من ذلك، ذهب وزير شؤون مجلس الشورى والنواب البحريني، غانم البوعينين، بقوله في تصريحات لصحيفة “الحياة” اللندنية، السبت الماضي، إن “الاتحاد قد يتم من دون سلطنة عُمان”.

ورغم أن البوعينين نفى هذا التصريح المنسوب إليه، قائلاً لوكالة الأنباء البحرينية، أمس الثلاثاء، إن ما نشر “لم يكن دقيقاً وخرج عن سياق ما صرح به”، إلا أن نفي التصريح بعد 4 أيام من نشره يثير تساؤلات بشأن مغزى تأخير النفي والهدف منه.

ويبدو أن هذا النفي يعكس انزعاجاً عمانياً، رغم أن الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بسلطنة عُمان، يوسف بن علوي، جدد في تصريح لصحفية “عكاظ” السعودية، في أكتوبر/ تشرين أول الماضي، رفض مسقط لمقترح للاتحاد الخليجي، مشدداً على أنها “لن تكون عضوا فيه” حال إنشائه.

جدل متجدد

ورغم أن البوعينين نفى صحة ما نشرته “الحياة”، مشدداً على أنه “لم يشر مطلقا إلى أن الاتحاد الخليجي سيعلن في القمة القادمة بالبحرين بدون سلطنة عمان”، إلا أن مضمون التصريح ليس الأول من نوعه.

إذ أعلن وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، في ديسمبر/ كانون أول 2013، أن قيام الاتحاد الخليجي بعدد دول أقل من الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون “أمر وارد”.

وفي الشهر نفسه، صرح الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، بأن موقف عُمان من تشكيل الاتحاد لن يحول دون قيامه. وأضاف أن “دول مجلس التعاون وشعوبها ترى ضرورة حدوث الاتحاد، فالوحدة أمر حتمي، وسواء أرادت عمان الانضمام لاحقا إلى الاتحاد أم لم ترد، فذلك شأنها”.

لكن الجديد أن هذا الجدل الذي رافق الحديث عن الاتحاد هو الأول منذ 3 سنوات، كما أن التطورات الإقليمية التي حدثت ما بين ديسمبر/ كانون أول 2011 ( تاريخ الدعوة إلى الاتحاد) وديسمبر 2016 (موعد القمة الخليجية المرتقبة)، زادت الفجوة بين سياسات عمان وسياسات بقية دول الخليج، ولاسيما السعودية، أكبر دول الخليج تأثيرا.

وارتفع التباين في السياسات من قضيتين فقط، وهما العلاقة مع إيران، ورفض مقترح الاتحاد الخليجي، إلى 4 قضايا رئيسية، بعد أن أضيف إلى القضايا الخلافية الأزمتان السورية واليمنية.

وفي هذه القضايا الأربعة الخلافية تمثل إيران محورا مشتركا بشكل أو بآخر.

الاتحاد الخليجي

تعود فكرة الاتحاد إلى العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز (2005- 2015)، حيث دعا خلال قمة الرياض في ديسمبر 2011، إلى انتقال دول الخليج من مرحلة التعاون إلى الاتحاد.

وهو توجه أيدته دول المجلس بدرجات متفاوتة، بينما عارضته سلطنة عُمان.

هذه المعارضة أعلنها وزير خارجية عمان صراحة للمرة الأولى في ديسمبر 2013، وكرر الرفض في أكثر من مناسبة، كان أخرها في أكتوبر/ تشرين أول الماضي. واعتبر أن “المجلس يكفي”، وليس هناك حاجة للاتحاد وأن بلده “لن يكون عضوا فيه (الاتحاد)”.

ورأى بن علوي في تصريحات سابقة أيضا، أن التماسك الخليجي لم يصل إلى إمكان تحول مجلس التعاون إلى “اتحاد” مثلما تطمح بعض دوله، وقال: “لسنا مؤهلين له الآن”.

ومنذ 2011، ظل ملف الاتحاد الخليجي بنداً دائماً على جدول أعمال القمم الخليجية، إلا أنه كان يتم ترحيله كل عام عبر التوجيه باستمرار المشاورات بشأنه.

موقف عمان الرافض لفكرة الاتحاد الخليجي يتسق مع سياسة مسقط الدائمة، التي حافظت على الاستقلالية والبعد عن الصراعات، إضافة إلى رغبة السلطنة في عدم ربط سياستها الخارجية بدول أخرى.

كما أن التباين بين عمان وبقية دول الخليج يمكن فهمه ببساطة في ظل أن أحد الدوافع الرئيسية لإنشاء هذا الاتحاد هو “حاجة دول المجلس إلى تبني صيغ جديدة لمواجهة التهديدات المتنامية”، وعلى رأسها إيران.

وهذا الدافع هو نفسه أحد أبرز أسباب رفض عمان لفكرة الاتحاد؛ لأنها لا ترى في إيران تهديدا لها، بل على العكس تتمتع الدولتان، إيران وعمان، اللتان تطلان على مضيق هرمز بعلاقات متميزة على الأصعدة كافة.

العلاقة مع إيران

رغم أن العلاقة المتميزة بين عُمان وإيران ليست وليدة السنوات القليلة الماضية، فإن الأوضاع بين طهران وبقية دول الخليج، ولا سيما السعودية، تزداد سوءا.

كما تشهد العلاقات البحرينية الإيرانية تجاذبات سياسية، على خلفية اتهامات المنامة لطهران بالتدخل في الشأن الداخلي البحريني عبر دعم المعارضة “الشيعية”.

أيضا هناك أزمة الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى وأبو موسى) المتنازع عليها بين الإمارات وإيران، والتي تقول أبوظبي إنها محتلة من قبل طهران.

ويسود التوتر العلاقات بين السعودية وإيران بسبب عدد من الملفات، أبرزها الملف النووي الإيراني الذي ترى الرياض أنه يهدد أمن المنطقة، واليمني حيث تتهم المملكة طهران بدعم تحالف مسلحي الحوثي والرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح.

فضلاً عن الملف السوري، حيث تدعم طهران النظام السوري عسكريا، فيما تساند الرياض المعارضة السورية، كما تتهم الرياض طهران بالتدخل في شؤون دول المنطقة، ولا سيما البحرين.

وزادت حدة التوتر بين البلدين، في أعقاب عملية “عاصفة الحزم” العسكرية التي ينفذها تحالف عربي بقيادة السعودية، في اليمن منذ 26 مارس/ آذار 2015، رداً على سيطرة تحالف الحوثي وصالح على العاصمة صنعاء، يوم 21 سبتمبر/ أيلول 2014، ثم محافظات يمنية أخرى.

وزادت الأوضاع سوءا العام الجاري، حين منعت إيران حجاجها من أداء مناسك الحج، وتبادلت مع الرياض الاتهامات بشأن المسئولية عن ذلك.

وفي 3 يناير/ كانون ثان الماضي قطعت الرياض علاقتها الدبلوماسية مع طهران، بسبب اعتداء محتجين على سفارتها في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد، شمالي إيران، وإضرام النار فيهما؛ احتجاجا على إعدام الرياض “نمر باقر النمر”، رجل الدين السعودي (شيعي)، مع 46 مدانا بالانتماء لـ”تنظيمات إرهابية”، معظمهم من السنة.

اتخذت بقية العواصم الخليجية، وبدرجات متفاوتة، مواقف تضامنية مع الرياض.

وفي ظل اتساع الخلافات بين دول الخليج وإيران، يعتبر مراقبون أن مواقف سلطنة عمان هي أقرب إلى إيران من الحياد، وهو ما ظهر جليا في مواقفها من البرنامج النووي الإيراني والأزمتين اليمنية والسورية، وفقا للمراقبين.

فقد ظلت السلطنة تستضيف محادثات سرية بين الولايات المتحدة وإيران (دون علم بقية دول الخليج) قادت إلى إبرام اتفاق نووي بين طهران والدول الكبرى (الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا وألمانيا) في يوليو/ تموز 2015، ودخل حيز التنفيذ مطلع العام الجاري.

وبموجب هذا الاتفاق وافقت طهران على تقييد برنامجها النووي، مقابل تخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب هذا البرنامج، الذي تقول الدول الستة إنه كان يهدف إلى إنتاج أسلحة نووية، وهو ما تنفي إيران صحته.

وترجمة للتقارب بين طهران ومسقط، زار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، السلطنة في مارس/ آذار 2014، في زيارة هي الأولى له لدولة عربية منذ توليه مهام منصبه في أغسطس/ آب 2013.

كما زار سلطان عمان، قابوس بن سعيد، إيران يوم 25 أغسطس 2013، في زيارة هي الأولى لزعيم عربي لطهران، بعد تولي روحاني الرئاسة.

ويأتي ذلك بينما يغيب سلطان عمان عن حضور القمم الخليجية منذ عام 2011، وينيب عنه أحد المسؤولين في السلطنة، كما اعتذرت مسقط عن عدم استضافة القمة الخليجية التي كان مقررا أن تستضيفها عام 2015.

الأزمة اليمنية
يوجد تباين واضح بين سلطنة عمان وبقية دول الخليج فيما يتعلق بالأزمة اليمنية، فمنذ 26 مارس 2015، يشن التحالف العربي وبمشاركة دول الخليج ما عدا عمان، عمليات عسكرية في اليمن ضد قوات الحوثيين وصالح.

ويقول التحالف إنه يقوم بعملياته استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بالتدخل عسكريا لـ”حماية اليمن وشعبه من عدوان المليشيات الحوثية”، في محاولة لمنع سيطرة قوات الحوثيين وصالح على اليمن بالكامل؛ بدعوى معاناتهم من تهميش اقتصادي وإقصاء سياسي.

في المقابل، فإن عمان تحمل، وعلى قدم المساواة، جميع الأطراف اليمنية (الحوثيين- صالح – الحكومة الشرعية) المسؤولية عما يحدث في البلد العربي؛ ولذلك تستقبل وفودا حوثية، وتستضيف لقاءاتهم مع مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، ولا تصفهم بالانقلابيين.

وتعدى الأمر مرحلة التباين، وكادت الأمور تتأزم بين سلطنة عمان ودول التحالف العربي؛ جراء اتهام مسقط للأخير باستهداف منزل السفير العماني في صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2015، وهو ما نفاه التحالف.

وترددت أنباء عن تهريب إيران أسلحة للحوثيين عبر أراضي عمان، وهو ما بادرت السلطنة بنفيه في 20 أكتوبر الماضي.

كل هذه المؤشرات تجعل التباين بين سلطنة عمان وبقية دول الخليج في الشأن اليمني قابل للتحول إلى أزمة في أية لحظة.

الأزمة السورية

لا تزال سلطنة عمان تشرع أبواب سفارتها في العاصمة دمشق، رغم أن بقية دول الخليج تدعم المعارضة السورية، وتدعو إلى تنحي رئيس النظام السوري، بشار الأسد الذي تدعمه إيران عسكريا.

كما زار يوسف بن علوي دمشق، حيث التقى الأسد في 26 أكتوبر 2015، بعد شهرين من استقبال الأول لنظيره السوري وليد المعلم، بمسقط، في أول زيارة يقوم بها الأخير لدولة خليجية منذ اندلاع الأزمة السورية في مارس2011.

وتطالب المعارضة السورية بإنهاء أكثر من 45 عاما من حكم عائلة الأسد، وإقامة دولة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة، غير أن النظام السوري اعتمد الخيار العسكري لوقف الاحتجاجات؛ ما دفع البلد إلى معارك دموية لا تزال مستمرة بين قوات النظام والمعارضة.

وترى دول الخليج، باستثناء سلطنة عمان، أن الأسد أساس الأزمة، ولا مكان له في مستقبل سوريا، بينما لا تزال مسقط تعترف بشرعية الأسد، وتعتبره جزءا من الحل.

وأعلن بن علوي أن سلطنة عمان “تبذل جهودا لإيجاد حل سلمي في سوريا واليمن”، عبر ما أسماها “الدبلوماسية الهادئة”.

مع كل تلك التباينات، وربما الخلافات الدفينة، بين سلطنة عمان وبقية دول الخليج، تتصاعد تساؤلات في دول المجلس وخارجه بشأن احتمال أن تعلن دول الخليج الاتحاد الخليجي في أي لحظة قريبة.

ولئن استبعد مراقبون أن يتم في قمة المنامة الإعلان عن قيام هذا الاتحاد، فإن تصريح البوعينين، ورغم نفيه بعد أيام، ربما يكشف ملامح تفكير جدي في إعلان الاتحاد في أقرب وقت، سواء في المنامة الشهر المقبل أو في وقت آخر قريب، وهو اتحاد ربما يكون خماسيا إن أصرت سلطنة عمان على رفضه، لا سيما وأن عامل الزمن الذي كانت تراهن عليه بقية دول الخليج لتغير السلطنة موقفها من الاتحاد، زاد الهوة بين الجانبين.

وكثيرا ما وظفت دول الخليج لصالحها “الدبلوماسية الهادئة”، أو “دبلوماسية السلام” كما تسميها مسقط، لكن تزايد الملفات الإقليمية المتأزمة وتصاعد حدتها، فضلا عن تزايد التحديات الأمنية، عمق التباين بين السلطنة وبقية دول الخليج، وهو سبب آخر ربما يُعجل بقيام الاتحاد الخليجي بدون مسقط إن إصرت على موقفها.

أيضا تأتي السياسة الخارجية السعودية الجديدة، في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، كمتغير جديد في المعادلة، حيث باتت تتسم سياسة الرياض بالحسم والحزم في ملفات شتى، ورغبة واضحة أن تظهر الدول الحليفة للرياض مواقف صريحة داعمة لسياستها الخارجية، التي تراها “عادلة”.

ولا يغيب عن مشهد قيام الاتحاد الخليجي المحتمل، اتساع الخلافات بين إيران ودول خليجية، على رأسها السعودية.

رغم أن كل هذه العوامل والمتغيرات الجديدة ربما تدفع باتجاه إعلان “اتحاد خليجي”، سواء بوجود أو بدون وجود سلطنة عمان، إلا أنه من المستبعد أن يكون هذا الإعلان في قمة المنامة، مع احتمالية اتخاذ خطوات متقدمة نحو الاتحاد دون إعلانه رسميا، نظرا لحرص دول الخليج على بقاء مسقط ضمن إطار يجمعهم جميعا في ظل العلاقة الإستراتيجية التي تجمع دول الخليج ببعضها البعض.

وشهدت الفترة القليلة الماضية جهودا لتكثيف التعاون الخليجي بمشاركة السلطنة، لاسيما على الأصعدة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، حيث جرى عدد من التمارين العسكرية والأمنية المشتركة، إلى جانب اجتماعات اقتصادية.

أيضا، ورغم التباين في السياسات ولا سيما بسبب إيران، شدد وزير خارجية سلطان عمان، في أكتوبر الماضي، على أن العلاقة الطيبة بين مسقط وطهران “ليست على حساب أحد، ولن تكون على حساب أحد”.

غير أن تصريح بن علوي وجهود دول الخليج لتكثيف التعاون لن يكفيا ليبقي الوضع طويلا على ما هو عليه، في ظل رغبة خليجية متنامية في التحول من التعاون إلى الاتحاد، وهو ما يعني أن خطوة إعلان “اتحاد خليجي خماسي” ربما تكون مسألة وقت فقط، ما لم تغير سلطنة عمان موقفها ليكون “الاتحاد سداسيا”.



إقرأ بقية الخبر من المصدر