العدالة تسبق المصالحة.. جنوب أفريقيا نموذجًا (إطار) – الاناضول

يوسف محمد / الأناضول

“التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل”، و”الظلم يسلب كلاً من الظالم والمظلوم حريته”، و”الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام”.

ثلاثة من أشهر الأقوال المأثورة للزعيم الجنوب إفريقي الراحل، نيلسون مانديلا، الذي كرس حياته لتوحيد شعبه عقب نهاية حقبة الفصل العنصري (أبارتهايد) عام 1994، ومنذ إطلاق سراحه عام 1990 بعد سجن 27 عامًا.

وبعد 20 عامًا على تجربة جنوب أفريقيا للمصالحة، التي حققت نجاحًا منقطع النظير، وأطفأت فتيل حرب أهلية، ما زالت عدة دول؛ لا سيما في القارة السمراء، تستلهم تجربة “لجنة المصالحة والحقيقة” (تي آر سي).

وفي مواجهة 40 عامًا من إرث التمييز العنصري، لعبت تلك التجربة دورًا هامًّا في تطوير مجال العدالة الانتقالية، وفقا لـ”لمركز الدولي للعدالة الانتقالية”، (منظّمة دولية غير حكومية مقرها في نيويورك).

وبمقتضى قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية رقم 34 للعام 1995، تأسست “لجنة المصالحة والحقيقة”، خلال رئاسة نيلسون مانديلا الذي وصل إلى السلطة قبل ذلك بعام واحد في سياق تحول ديمقراطي لإنهاء نظام الفصل العنصري وهيمنة الأقلية البيضاء على مناحي الحياة في هذا البلد الإفريقي.

القانون، الذي عكس التوازن السياسي والسلطوي الدقيق الذي كان قائماً إبان مرحلة الانتقال، زود اللجنة بصلاحيات واسعة واستثنائية قياساً بـ”لجان الحقيقة”، التي جرى تشكيلها للنظر في انتهاكات الماضي في دول أخرى.

وشملت الصلاحيات التحقيق والاستدعاء، والتحقيق في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الموظفون الرسميون وأعضاء المنظمات المعارضة خلال فترة 34 عاماً، وإصدار توصيات، ومن ضمنها دفع تعويضات إلى ضحايا الانتهاكات، والصلاحية شبه القضائية في منح العفو في ظروف معينة لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان.

وعلى موقعها الإلكتروني، تقول اللجنة إن صلاحياتها دخلت حيز التنفيز من خلال 3 لجان: لجنة العفو، لجنة التعويض وإعادة التأهيل، ولجنة انتهاكات حقوق الإنسان.

ترأس اللجنة رئيس الأساقفة ديزموند توتو، وكان هدفها الرئيسي “الوصول للمصالحة الوطنية بين الضحايا والجناة”، بعد تحديد جميع انتهاكات حقوق الإنسان، التي ارتكبت بداية من مجزرة “شاربفيل” في عام 1960، في ذروة سياسة الفصل العنصري التي بدأته في عام 1948 حكومة جنوب إفريقيا.

وهكذا لأول مرة، يلتقي الضحايا والجناة وجهًا لوجه للشهادة في محاولة لتضميد جراح الماضي، والمضي قدمًا؛ بهدف بناء جنوب إفريقيا أفضل عن طريق العفو والتسامح، والمصالحة التي سبقتها العدالة.

لا شك أن جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري، كانت مكانًا وحشيًا، ورغم ذلك كان الشيء الرائع الذي ميز المناضلون من أجل الحرية الذين أصبحوا قادة البلاد، هو قدرتهم على العفو والمغفرة عن مضطهديهم؛ حيث كانوا يسعون وراء الحقيقة والمصالحة بدلًا من الانتقام.

وقد لعبت اللجنة دوراً محورياً في إعادة اللحمة الوطنية دون إهدار لحقوق ضحايا النظام السابق، ودون حرمان الطبقة الحاكمة السابقة من فرصة إعادة تأهيلها، وفقا لـ”معهد الولايات المتحدة للسلام” (يو إس آي بي)، وهو مؤسسة أمريكية فيدرالية مستقلة أسسها الكونغرس.

وكان بإمكانها منح عفو للمتهمين ما لم يرتكبوا جنايات، وتقرير موعد منح الأهلية السياسية، التي تتيح للمتهم مزاولة حقوقه السياسية، التي قد تكون مباشرة بعد المحاكمة أو بعد بضع سنوات أو يحرم منها.

وفي عام 1998، أصدرت “لجنة الحقيقة والمصالحة” تقريرًا تضمّن شهادات أكثر من 22 ألف ضحية وشاهد؛ حيث جرى الإدلاء بألفي شهادة في جلسات استماع علنية.

وفي نهاية المطاف، رأى كثيرون اللجنة، التي كانت الأولى بين 19 لجنة مشابهة للاستماع للأقوال على الملأ في أنحاء العالم، عنصرًا أساسيًا للانتقال إلى ديمقراطية كاملة، وحرة في البلاد.

فعوضَا عن العدالة العقابية وتقديم الجناة إلى المحاكم، اعتمدت اللجنة تصور العفو المشروط أو الجزئي كسبيل لتحقيق العدالة؛ وأتاحت لهم فرصة الاعتراف بأخطائهم، وطلب الصفح ممن ألحقوا بهم الأذي، وتلقت حوالي 8 آلاف طلب للعفو آنذاك.

ويعتقد كثير من المراقبين أن التجربة الجنوب إفريقية نجحت؛ لأنها لم تتهرب من ماضيها بل واجهته، مستخلصة منه الدروس والعبر في الممارسة السياسية، وفي الخطاب السياسي الرسمي؛ فصارت أكثر لجان الحقيقة والمصالحة شهرة؛ لأنها حققت إلى حد كبير أهدافها في خلق مجتمع قادر علي تجاوز مرارات الماضي الدموي، والتعافي من آثارها.



إقرأ بقية الخبر من المصدر