الاستفتاء الدستوري بإيطاليا .. اختبار لشعبية رينزي والانتماء الأوروبي – الاناضول

روما / محمود الكيلاني / الأناضول

تخوض إيطاليا، الأحد المقبل، اختباراً على شعبية رئيس الوزراء، ماثيو رينزي، إلى جانب اختبار أهم حول الانتماء للاتحاد الأوروبي.

وتشهد البلاد، الأحد، أول استفتاء على تعديلات دستورية، منذ دخول الدستور الحالي حيز التنفيذ مطلع يناير/كانون الثاني 1948.

ويخشى مراقبون من أن رفض تلك التعديلات يفتح الباب أمام انتخابات مبكرة ترجح هيمنة اليمين، الداعي للخروج من الاتحاد الأوروبي، على نتائجها؛ الأمر الذي قد يمهد لطلاق جديد في القارة العجوز بعد بريطانيا.

ولم يصل رينزي، الذي يتولى السلطة منذ نحو العاميين، إلى الحكم عن طريق الانتخاب المباشر (جرت الانتخابات في 24 فبراير/شباط 2013)، بل بعدما حاز على أغلبية الأصوات في مؤتمر “الحزب الديمقراطي” (يسار وسط)، الذي ينتمي إليه، ليصبح أميناً عاماً له في 8 ديسمبر/كانون الأول 2013.

ودفعت تلك النتائج قيادة الحزب، في 13 فبراير/شباط 2014، إلى الطلب من رئيس الوزراء، آنذاك، وعضو نفس الحزب “الحزب الديمقراطي”، إنريكو ليتا، إلى التنحي لصالح رينزي، وهو ما حصل في 14 فبراير/شباط 2014.

وشكل رينزي بالفعل حكومة جديدة في 22 فبراير/شباط، ضمت تنظيمه (الديمقراطي) إضافة إلى تشكيلات من يمين الوسط، لكنه ظل أمام الرأي العام زعيماً بلا تفويض شعبي.

تلك النقطة دفعت رينزي إلى تسريع الخطى نحو بلورة خطة طموحة تهدف إلى تعديل الدستور، الذي ظل عصياً على الإصلاح منذ العام 1948.

وأعلن أمين رئاسة الوزراء، كلاوديو دي فينتشينتي، وبالفعل، في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، أن الحكومة تعتزم تنظيم استفتاء شعبي، على مجموعة من “التعديلات الدستورية الجذرية”.

ومنذ ذلك التاريخ، انقسم الشارع الإيطالي إلى فريقين، الأول يؤيد الإصلاحات المقترحة والثاني يجانبها العداء، علماً بأن تشكيلة الفريقين ليست متجانسة؛ إذ تجمع أنصاراً لليمين ولليسار على حد سواء.

ويعيب المناهضون للاستفتاء أنه جاء باقتراح من مجموعة سياسية واحدة (يسار الوسط)، ولم يشمل مشاركة كافة القوى السياسية.

وفي المقابل، يعدد الداعمون مزايا الاستفتاء باعتباره يضع الكثير من الحلول لمشاكل جذرية تعاني منها المؤسسات السياسية في البلاد.

وتشمل التعديلات وضع حد لنظام البرلمان المؤلف من غرفتين (النواب والشيوخ)، وفق دستور 1947 الساري المفعول؛ حيث يحصر الوظيفة التشريعية في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) فقط على أن يبقى الشيوخ (الغرفة الثانية) مجلساً تميثلياً للأقاليم.

كما يخفض عدد أعضاء مجلس الشيوخ إلى مائة (العدد الحالي 320)، بينما يبقى عدد النواب على حاله أي 630 نائباً.

وتقلص التعديلات كذلك من صلاحية رئيس الدولة؛ إذ تنزع عنه حق حل مجلس الشيوخ (لأنه يصبح مجلساً للأقاليم ومدة ولاية أعضاءه مرتبطة بمدة مناصبهم الإقليمية)، وتقصر الحق على مجلس النواب فقط (يحق له حالياً حل النواب والشيوخ).

ويصبح رئيس مجلس النواب، هو ثاني منصب في الدولة، (رئيس مجلس الشيوخ هو الذي يتمتع حالياً بهذا المنصب).

ومن بين التعديلات المقترحة أن يصبح انتخاب رئيس الجمهورية كل 7 سنوات، من وظائف مجلسي النواب والشيوخ فقط، وألا يكون لممثلي الأقاليم أي مشاركة في ذلك، كما هو الحال عليه الآن، لأن مجلس الشيوخ سيصبح مجلس الأقاليم.

وينص التعديل كذلك على أن يصبح أي استفتاء شعبي لإلغاء قانون ما، بحاجة إلى 150 ألف توقيع، بينما لا يحتاج في الوقت الراهن لأكثر من 50 ألف توقيع، وذلك رغبة في تخفيف نفقات تنظيم الاستفتاء التي تجري بواقع واحد كل عام.

وتقترح التعديلات أيضاً إلغاء المحافظات من التنظيم الإداري الإيطالي، ليصبح مقتصراً على المقاطعات والبلديات فقط.

وكذلك إلغاء المجلس القومي للاقتصاد والعمل (وكالة حكومية) حرصاً على تخفيف المشاكل البيروقراطية والأعباء المالية على الدولة.

مشهدان تخرج نتيجة الاستفتاء بأحدهما، الأول، فوز مقترح الإصلاحات؛ ما يعني أن ماتيو رينزي قد حاز على التفويض الذي تاق له، على اعتبار أن تمرير الاستفتاء، الذي يسانده، هو تفويض له بالاستمرار في منصبه؛ ما يمكنه من مواصلة تنفيذ سياساته الاقتصادية على مستويي محاربة البطالة وتخفيض الدين العام.

كما تمنحه الثقة بالقدرة على الفوز وفريقه في الانتخابات التشريعية، التي يفترض أن تجري نهاية الدور التشريعي الراهن أي في العام 2018.

أما المشهد الثاني، وهو الأكثر قتامة، فهو استقالة رينزي؛ حيث أنه تعهد بالاستقالة حال فشل في تمرير التعديلات الدستورية.

لكن الحَكَمَ في هذه الحالة سيكون لرئيس الجمهورية سيرجو ماتاريلا الذي سيقرر إما الدعوة إلى انتخابات مبكرة أو أن يعهد إلى رينزي مجدداً مهمة تشكيل حكومة جديدة، كما يمكن للرئيس اختيار شخصية آخرى.

والخيار الأخير لا يروق لتشكيلات اليمين الشعبوي، مثل “خمس نجوم”، واليمين المتطرف مثل “رابطة الشمال”، و”أخوة إيطاليا”، والذين سيتمسكون باللجوء إلى صناديق الاقتراع في أقرب فرصة ممكنة.

وتؤمن تلك التيارات بأنها المرشح الأقوى لحكم البلاد تناغماً مع الانتصار الذي حققه دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

وحسب معطيات ست مؤسسات رصد للرأي، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، فإن أي انتخابات في البلاد، ستفضي إلى حصول حزب رئيس الوزراء ماتيو رينزي على ما بين 31 إلى 32% من الأصوات فقط.

وفي المقابل، يُرجح حصول تنظيمات اليمين الشعبوي والمتطرف، الداعين إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، على ما بين 45 إلى 47%؛ وهو ما يجعل 4 ديسمبر/كانون الأول يوماً حاسماً لمستقبل إيطاليا الأوروبي أيضاً.

وإلى جانب الجدل السياسي الدائر داخلياً، علت أصوات اقتصادية دولية، قبل أقل من أسبوع على التصويت، محذرة من تبعات نتيجة سلبية للاستفتاء.

وحذرت صحيفة “فاينانشال تايمز”، في عددها الصادر، الإثنين الماضي، من أن 7 مصارف إيطالية ستشهر إفلاسها إذا ما أخفق رينزي في الفوز بالاستفتاء.

والبنوك هي “مونته دي باسكي دي سيينا، بوبولاره دي فيتشنزا، فينيتو بانكا، بانكا إتروريا، كاري كييتي، بانكا ديلله ماركه، وكاري فيرارا”، بدعوى أن ذلك قد يقلل من ثقة المستثمرين في الاقتصاد الإيطالي.

وهذا ما دعا وزير المالية والاقتصاد، بيير كارلو بادوان، إلى التخفيف من غلواء الذعر، الذي قد يصيب الأسواق، ونفى بصورة قاطعة أي إمكانية لإفلاس مصارف وطنية في حال فشل الاستفتاء.

لكن تطمينات بادوان لا تنفي حقيقة أن إيطاليا رزحت لعقود في ظل معدلات نمو متواضعة، فضلاً عن مشكلتها الأكبر، والتي تكمن في الديون الباهظة التي وصلت إلى 217 تريليون يورو، أو 132% من الناتج المحلي السنوي، وهي بذلك تحل ثانية في معدل الدين العام داخل منطقة اليورو بعد اليونان.

وعلى هذا الأساس، ليس من المستبعد أنه في حال جاءت نتيجة التصويت ضد رغبة رينزي، أن يؤدي هذا إلى تراجع ثقة المستثمرين في إيطاليا، والتراجع عن منح المزيد من القروض، في مشهد يشبه ما وقع في اليونان في العامين الأخيرين.

بل إن مشكلة إيطاليا حينها ستكون أعمق، استناداً إلى وزنها كثالث قوة اقتصادية في منطقة اليورو (بعد ألمانيا وفرنسا)؛ ما قد يثقل كاهل صندوق إنقاذ منطقة العملة الأوروبية الموحدة المخصص للأزمات، في حال تعرضت البلاد لخطر.



إقرأ بقية الخبر من المصدر