بعد ربيعها السياسي.. هل تحقق تونس ربيعا اقتصاديا؟ – روسيا اليوم

شهدت تونس يومي 29 و30 نوفمبر/تشرين الثاني حدثا اقتصاديا ضخما بمشاركة أكثر من 70 دولة و2000 شركة تعهدت جميعها خلال مؤتمر الاستثمار “تونس2020” بتقديم منح مالية وتوظيف استثمارات ضخمة.

انطلقت أعمال مؤتمر الاستثمار الثلاثاء 29 نوفمبر/تشرين الثاني لجذب المستثمرين الأجانب بحضور الرؤساء الثلاثة (رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب)، نظرا لأهمية هذا المؤتمر، الذي تعول عليه تونس من أجل انتعاش اقتصادي حقيقي وإنجاح تجربتها الديمقراطية.

ويحظى المؤتمر بأهمية كبرى لدى التونسيين نظرا لمرحلة الانكماش الحاد، التي مر بها الاقتصاد التونسي في أعقاب الثورة، وتراجع النمو إلى 1.5%. ولهذا يعلق التونسيون آمالهم على هذا الحدث الاقتصادي لإخراج البلاد من أزمتها.

وعود بالاستثمارات

وخلال الجلسة الأولى للمؤتمر، استجاب شركاء تونس الاقتصاديون بتقديم تمويلات ومنح لتركيز استثمارات في البلاد بمليارات الدولارات، تلبية لدعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، والتي أكد فيها أن “تونس تعيش وضعا استثنائيا وتحتاج إلى دعم من شركائها ومن المؤسسات المالية الدولية من أجل زيادة حجم استثماراتها الخارجية بنسبة 80% في إطار مخطط التنمية (2016-2020).”

من جهتها، أعلنت فرنسا عن تخصيص ما يناهز مليار يورو لاستثمارها في تونس حتى عام 2020، وستستثمر الوكالة الفرنسية للتنمية كذلك 250 مليون يورو سنويا في البلاد التونسية. كما أن باريس ستعمل على تحويل الديون التونسية إلى مشروعات استثمارية.

ودعا رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس، خلال مداخلته، المؤسسات الفرنسية إلى الوثوق بتونس والاستثمار فيها؛ لأنها تشهد إصلاحات شجاعة وصعبة؛ لافتا إلى أن نجاح تونس أمام التحديات الكبرى التي تواجهها هو نجاح المنطقة بأكملها في المتوسط والاتحاد الأوروبي

أما قطر، فمنحت تونس مساعدة مالية قيمتها 1.250 مليار دولار لدعم اقتصادها وتنمية المناطق المحرومة، إلى جانب تكفلها بكامل مصروفات مؤتمر “تونس-2020”.

إلى ذلك، وعدت صناديق استثمارية ومؤسسات تمويلية مثل البنك وصندوق النقد الدوليان، وصندوق قطر للتنمية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية على تمويل مشروعات عديدة في تونس.

من جانبها، قررت كندا دعم تونس باستثمار قدره 24 مليون دولار على امتداد 4 سنوات، وأوضحت وزيرة التنمية الدولية الكندية ماري كلود بيبو في كلمتها أن المساعدات ستشمل 4 قطاعات أبرزها الأمن والتعليم؛ مضيفة أنه تم تخصيص مبلغ 16 مليون دولار كذلك لمساعدة المرأة التونسية.

ربيع اقتصادي تونسي

وتتطلع حكومة يوسف الشاهد إلى جذب استثمارات تقدر بـ50 مليار دولار وذلك قبل نهاية مخطط التنمية 2016 – 2020، وستعرض تونس خلال مؤتمر “تونس-2020” على شركائها الاقتصاديين والمستثمرين الأجانب نحو 145 مشروعا حكوميا وخاصا بتكلفة 33 مليار دولار.

ويُعد هذا المؤتمر خطوة جدية لاستعادة المشروعات الاستثمارية المعطلة على غرار مشروع المرفأ المالي الذي تناهز كلفته 3.5 مليار دولار، ويموله بيت التمويل الخليجي وبنك الاستثمار الإسلامي، وتمتد المرحلة الأولى للمشروع مدة عام لتجهيز البنية التحتية وملعب الغولف والمساكن المطلة عليه.

وتعول تونس على هذا المشروع في الفترة المقبلة لاستيعابه طالبي الشغل، حيث ستوفر المرحلة الأولى من هذا المشروع نحو 600 وظيفة، فيما ستصل مجموع فرص الوظائف على مدى خمس سنوات من مراحل المشروع إلى نحو 6500 فرصة عمل.

حلم الصيد يحققه الشاهد

وفي حقيقة الأمر، فإن فكرة تنظيم مؤتمر الاستثمار تعود إلى حكومة الحبيب الصيد، الذي أعلن في أبريل/نيسان الماضي، خلال ندوة دولية نظمتها مؤسسة “كارنيغي” للسلام الدولي، عن التحضير لتنظيم مؤتمر دولي للمانحين في سبتمبر/أيلول، لكن تم تأجيله.

بيد أن رئيس الحكومة الحالية يوسف الشاهد تمكن من انتزاع تصديق البرلمان، في سبتمبر/أيلول الماضي على قانون الاستثمار الجديد (مجلة الاستثمار)، بعد أن فشلت حكومة الصيد في إقراره.

ويهدف القانون بشكل أساس إلى حفز الاستثمارات الأجنبية، في إطار حزمة من الإصلاحات، التي نادى بها صندوق النقد الدولي.

ويشمل قانون الاستثمار الجديد إنشاء صندوق للاستثمار يساهم في تمويل مشروعات البنية التحتية وتمويلها لحفز المستثمرين على إقامة مشروعات في المناطق الداخلية. وينص أيضا على إنشاء هيئة عليا للاستثمار تكون الطرف الوحيد لاستقبال المستثمرين الأجانب وتسهيل الإجراءات الإدارية في مسعى للتخلص من البيروقراطية التي يعاني منها المستثمرون الأجانب.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الحدث الاقتصادي ليس الأول من نوعه في تونس منذ 2011. إذ سبق أن نظمت حكومة مهدي جمعة في 8 سبتمبر/أيلول 2014 المؤتمر الدولي “استثمر في تونس الديمقراطية الناشئة”. وقد حصلت تونس على تعهدات خلال هذا المؤتمر، لكن الجهات المانحة تنصلت من جميع وعودها آنذاك.

اختبار لتونس

لتونس التي تعاني من جملة من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، خلال سنوات ما بعد الثورة، يعد المؤتمر الدولي للاستثمار اختبارا جديا لتجاوز الدولة التونسية محنتها، بعد أن سجلت نسب البطالة أكثر من 15%، وارتفع الدين العام إلى 63% من الناتج المحلي.

لتتفاقم هذه الأوضاع في تعطيل المناخ الاستثماري، بعد استهداف قطاع السياحة نتيجة الأعمال الإرهابية خاصة في عام 2015، وليتراجع قطاع السياحة بنسبة 8.4%، ثم ليتلوه تراجع حاد في الاستثمارات الأجنبية بـ2.1%.

وليس هذا فقط ما يقف حائلا أمام تونس من تحقيق أهداف المؤتمر. إذ أصدرت مؤسسات اقتصادية دولية 3 تقارير قبل انعقاد مؤتمر “تونس-2020” كشفت تراجعا في مؤشرات الاقتصاد التونسي.

ففي تقرير وكالة الترقيم السيادي لوكالة “موديز”، أعادت تصنيف تونس من مستقرة إلى سلبية، بينما أظهر تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2017 تراجع تونس مرتبتين مقارنة بالعام الماضي وهو تقرير يقيس عددا من الإجراءات الإدارية.

هذا، واحتلت تونس المرتبة الـ 62 عالميا منذ عام 2011 حسبما ما أعلنه تقرير التنافسية الدولية، لتشير هذه التقارير الواردة إلى الواقع السلبي للاقتصاد التونسي الذي استنزف كثيرا من قدراته نتيجة الاحتجاجات العشوائية والفساد الذي طال غالبية القطاعات، وتعطل مناخ الاستثمارات.

ويقول محلل الاقتصاد رضا بن محمد لـ RT إن مؤتمر “تونس-2020” يأتي في نطاق البحث عن أموال جديدة، لكنه يعتقد أنه كان من الأجدى التعويل على الموارد الذاتية كالجباية، لإنعاش الاقتصاد؛ لأن ما قدم خلال هذا المؤتمر كان مجرد تعهدات ووعود قد يتنصل منها المستثمرون فيما بعد، كما حصل في مؤتمرات دولية سابقة، في إشارة إلى مؤتمر “استثمر في تونس الديمقراطية الناشئة” عام 2014.

ويرى المحلل الاقتصادي أن المؤتمر الدولي ليس سوى حل وقتي؛ لأن الحلول الدائمة تكمن في التعويل على المستثمرين المحليين وتسهيل الإجراءات لهم لبعث مشروعات وطنية بدلا من المستثمرين الأجانب الذين يبحثون عن منافع شخصية ومكاسب خاصة بهم، على حد قوله.

من جانبه، كشف منسق المؤتمر الدولي للاستثمار، مراد الفرادي لـ RT أن مؤتمر “تونس-2020” فاق جميع التوقعات المنتظرة، سواء من جانب الحضور والوفود المشاركة أو المشروعات التي تم تقديمها، ودحض جميع المخاوف من تنصل الجهات المانحة من وعودها.

وأكد لـ RT أنه بعد مداخلات الحضور جرى توقيع عدة اتفاقيات فعلية، وتحولت هذه الوعود إلى مشروعات ملموسة، وأهمها توقيع اتفاقية مع مؤسسة PEUGEOT في مجال تصنيع قطع السيارات؛ مشيرا إلى أنه سيتم الكشف عن عديد الاتفاقيات عشية يوم 30/11/2016.

ويبقى نجاح مؤتمر “تونس-2020” رهنا بإرادة سياسية وشعبية لإخراج البلاد من ركودها الاقتصادي، واختبارا لقياس مدى تكاتف مؤسسات الدولة لإنجاح ما سماه بعضٌ “الربيع الاقتصادي”.

سناء محيمدي

إقرأ بقية الخبر من المصدر