على مدى أكثر من 150 عاما والصحافة اللبنانية متميزة منذ العهد العثماني، مرورا بالانتداب الفرنسي، وصولا إلى عهد الاستقلال وما بعده، لكنها حاليا تواجه انتكاسة مع تخبط عدد من المؤسسات الصحفية، وإغلاق جريدة السفير” بعد 42 عاما من صدورها؛ بسبب أزمة مالية، والمنافسة الشرسة مع التكنولوجيا الحديثة.

لطالما شكّلت الصحافة اللبنانية مصدرا للقلق وكابوسا لأنظمة عربية حاكمة، إذ إنّ أول صحيفة سياسية لا تمثل السلطة في المشرق كانت من العاصمة بيروت، وهي جريدة “الأخبار” للصحفي خليل الخوري، مطلع يناير/كانون الثاني 1858، أي قبل 158 عاما.

منذ التاريخ التأسيسي بدأ سيل الصحف؛ إذ أصدر بطرس البستاني صحيفة “نفير سوريا” عام 1860، فحملت نصائح وطنية، وتلتها صحيفة “النشرة الشهرية” الدينية عام 1863، على يد المرسلين الأميركيين، وفي عام 1891 أصدر خليل بدوي صحيفة “الأحوال”، وهي أول صحيفة يومية في السلطنة العثمانية.

صحيفة “السفير” ودعت الأكشاك بعد رحلة مهنية استمرت أكثر من أربعة عقود (الجزيرة)

وفي بدايات القرن العشرين، وتحديدا عام 1909، صدر قانون المطبوعات وفق الدستور العثماني، لتزداد الامتيازات الصحفية، وتتبعها حركات سياسية مختلفة الأهداف والأبعاد.

في هذه الفترة صدرت صحف سياسية كثيرة، أهمها “لسان الحال” لخليل سركيس عام 1877، وفيها ظهر أول إعلان مصور.

منذ هذه التواريخ، وعدد الصحف في ارتفاع، منها ما الديني، ومنها النسائي لسليمة أبي راشد عام 1914 مع مجلة “فتاة لبنان“، فضلا عن صحيفة “الحياة” لكامل مروة عام 1946.

كما شهدت الصحافة في لبنان إصدارات حزبية عدّة مع “صوت الشعب” للحزب الشيوعي عام 1937، و”العمل” لحزب “الكتائب” عام 1939.

مراحل عديدة شهدتها الصحافة اللبنانية، التي عدّها كثيرون الأجرأ في العالم العربي، لكن لم تخل من عقبات ومواجهات مع أنظمة حاكمة، خاصة في سوريا منذ حكم الرئيسين السوريين شكري القوتلي، وحسني الزعيم، ونظام الوحدة السورية-المصرية، حتى حكم حزب البعث.

وقدّم أهل الصحافة في لبنان تضحيات دفاعا عن الوطن والاستقلال والعروبة، فمنهم من دخل السجن وواجه الاضطهاد الفكري دون يأس، واغتيل سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة “الحوادث، عام 1980، فعُدّ “شهيد الصحافة والصحفيين”.

وفي عام 1921 صدرت أول صحيفة رسمية باللغة العربية والفرنسية باسم “جريدة لبنان الكبير الرسمية”، فضلا عن صحيفة  “L’orient” (الشرق) عام 1923، و”النهار” للصحفي جبران تويني عام 1933.

ومع إعلان الجنرال الفرنسي هنري غورو عام 1920 “دولة لبنان الكبير”، بعد فصله عن سوريا بموجب اتفاقية “سيكس-بيكو” بين فرنسا وبريطانيا، انقسمت المواقف في الصحافة، التي باتت وسيلة لدعم الموقف السياسي والاجتماعي، فصدرت “الإنسانية” ثم “صوت العمال” لفؤاد الشمالي عام 1930، لمواكبة الحركات العمالية.

العديد من الصحف اللبنانية تتخبط حاليا في أزمات مالية خانقة تهدد بقاءها (الجزيرة)

ومن الأزمات، اتخذت الصحافة اللبنانية نهضة، فعند اعتقال سلطات الانتداب الفرنسي (1920-1943) رجال الاستقلال في “قلعة راشيا” عام 1943، أُطلقت صحيفتان: إحداهما تحمل شعار علامة الاستفهام (؟)، والأخرى شعار علامتي استفهام (؟؟)، لتعبئة الشعب اللبناني ضد الانتداب، وبالفعل جرى إطلاق سراحهم في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1943، الذي يعدّ يوم الاستقلال اللبناني.

وتوالت هذه الوتيرة في الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، إذ لم تتوقف الصحف حينها عن الإصدار، وانتظر اللبنانيون افتتاحياتها للتعرف على الجو السياسي العام.

وبعد عام ألفين، ازدادت عمليات القمع والتقييد، بسقوط عدد كبير من شهداء الصحافة، أبرزهم سمير قصير، وجبران تويني عام 2005، اللذين أعادا إلى الذاكرة أهمية إنشاء تمثال الحرية وسط بيروت، الذي يحكي حتى اليوم معاناة الصحفيين، والتضحيات بالدم من أجل القلم الحرّ.

ولا تزال بيروت -التي اعتبرت عاصمة الثقافة العربية، وبها أول مطبعة في العام العربي، هي مطبعة “القديس جاورجيوس” عام 1751- تشهد على أهمية “السلطة الرابعة”، ودورها الفعال في تحريك الرأي العام، وعدم الاكتفاء بنشر ما تريده الأنظمة الحاكمة.

لكن الصحافة اللبنانية التي تطورت مع السنوات وواكبت تجليات عصر العولمة، تتخبط الآن وتشهد انتكاسة هي الأقسى في تاريخه؛ فبنهاية عام 2016، جرى إغلاق صحيفة “السفير”، التي تأسست عام 1974 بسبب أزمة مالية خانقة، بينما تتخبط العديد من المؤسسات الإعلامية الأخرى  أبرزها صحيفتا “المستقبل”، و”النهار”.

المصدر : وكالة الأناضول